تقنيات أخرى

تقنية مذهلة من الصين تحول الفحم إلى كهرباء!

باحثون صينيون يطورون تقنية لتحويل الفحم إلى كهرباء دون احتراق مباشر.. خطوة واعدة نحو رفع الكفاءة وتقليل الانبعاثات

كشف فريق بحثي من Shenzhen University عن تطوير تقنية جديدة لتوليد الكهرباء من الفحم دون الحاجة إلى احتراقه بالطريقة التقليدية، في خطوة قد تعيد تشكيل مستقبل استغلال الفحم كمصدر للطاقة إذا نجحت في تجاوز تحديات التطبيق التجاري.

وبحسب دراسة علمية نُشرت في دورية Elsevier Energy Reviews، نجح الباحثون في بناء نموذج أولي لما يُعرف باسم خلية الوقود المباشرة للفحم منخفضة الانبعاثات (ZC-DCFC)، وهي تقنية تعتمد على تحويل الطاقة الكيميائية المختزنة في الفحم إلى كهرباء مباشرة عبر تفاعل كهروكيميائي، من دون المرور بمرحلة الاحتراق الحراري التقليدية.

تعتمد محطات الفحم التقليدية على حرق الفحم لتوليد الحرارة، ثم استخدام تلك الحرارة لتحويل المياه إلى بخار، قبل تشغيل التوربينات لتوليد الكهرباء. هذه العملية متعددة المراحل تتسبب بخسائر كبيرة في الطاقة بسبب القيود الفيزيائية المرتبطة بالديناميكا الحرارية، ما يجعل متوسط الكفاءة التشغيلية لمحطات الفحم التقليدية يتراوح غالبًا بين 35% و40%.

أما التقنية الجديدة فتتجاوز هذه السلسلة بالكامل، إذ تستخدم الفحم الصلب كمصدر مباشر للتفاعل داخل خلية وقود، حيث يتفاعل الكربون الموجود في الفحم مع الأكسجين داخل بيئة كهروكيميائية مغلقة، مولدًا تيارًا كهربائيًا بشكل مباشر، ما يرفع الكفاءة النظرية للنظام إلى مستويات قد تصل إلى نحو 80% وفقًا للتقديرات البحثية الأولية.

كيف تعمل التقنية؟

يعتمد النظام الجديد على معالجة الفحم وتحويله إلى مسحوق دقيق بعد تنقيته من الشوائب المعدنية والكبريتية، ثم إدخاله إلى القطب السالب (الأنود) داخل خلية الوقود، بينما يُضخ الأكسجين إلى القطب الموجب (الكاثود).

داخل الخلية، تحدث عملية أكسدة مباشرة للكربون الموجود في الفحم، ما يؤدي إلى تحرير الإلكترونات وانتقالها عبر دائرة كهربائية خارجية لإنتاج الكهرباء، في آلية مشابهة لمبدأ عمل البطاريات وخلايا الوقود الهيدروجينية، لكن باستخدام الفحم كمادة أولية بدلًا من الغاز.

الميزة الأساسية هنا أن العملية لا تعتمد على اللهب أو الاحتراق المباشر، ما يقلل الفاقد الحراري بشكل كبير، ويتيح تحكمًا أفضل في نواتج التفاعل.

ماذا عن انبعاثات الكربون؟

رغم وصف التقنية بأنها “منخفضة الانبعاثات”، فإنها لا تُلغي إنتاج ثاني أكسيد الكربون بالكامل، لأن الفحم في جوهره مادة كربونية، وأكسدته تؤدي بطبيعتها إلى تكوين CO₂.

لكن الفارق الجوهري يكمن في أن الغاز الناتج يخرج في صورة مركزة ونقية نسبيًا من نقطة واحدة داخل النظام، بدلًا من اختلاطه بكميات ضخمة من غازات الاحتراق كما يحدث في المحطات التقليدية.

هذا التصميم يجعل احتجاز الكربون وإعادة استخدامه أكثر سهولة وكفاءة.

وبحسب الدراسة، يمكن استخدام ثاني أكسيد الكربون الناتج في عمليات صناعية أخرى، مثل إنتاج الغاز التخليقي (Syngas) المستخدم في الصناعات الكيميائية والوقود الاصطناعي، أو تحويله إلى مركبات صناعية مثل بيكربونات الصوديوم.

هل يمكن تشغيلها داخل مناجم الفحم؟

من بين أكثر الأفكار التي طرحتها الدراسة إثارة للاهتمام، إمكانية تطوير أنظمة مشابهة للعمل مباشرة داخل مناجم الفحم تحت الأرض.

هذه الفكرة قد تسمح مستقبلًا بتحويل الطاقة الكيميائية للفحم إلى كهرباء في موقع وجوده، بدلًا من استخراجه ونقله إلى محطات توليد مركزية، وهو ما قد يقلل تكاليف الاستخراج والنقل والبنية اللوجستية المرتبطة بسلاسل التوريد التقليدية.

لكن الباحثين يؤكدون أن هذا السيناريو ما يزال نظريًا ويحتاج إلى اختبارات هندسية معقدة قبل التفكير في تطبيقه عمليًا.

تحديات التطبيق التجاري

رغم النتائج الواعدة، لا تزال التقنية في مراحلها المبكرة، وهناك تحديات كبيرة يجب تجاوزها، من بينها:

  • تحسين العمر التشغيلي لخلايا الوقود
  • تقليل تكلفة المواد المستخدمة
  • رفع الاستقرار التشغيلي على المدى الطويل
  • إدارة تراكم الرواسب داخل الخلايا
  • تطوير أنظمة فعالة لاحتجاز الكربون وإعادة تدويره

كما أن تحويل ثاني أكسيد الكربون إلى منتجات صناعية مثل الغاز التخليقي يتطلب بدوره طاقة إضافية وبنية تحتية صناعية متخصصة، ما يعني أن الأثر البيئي الكامل للنظام يعتمد على كيفية دمج هذه المراحل ضمن منظومة الطاقة.

ماذا يعني ذلك لقطاع الطاقة؟

إذا نجحت التقنية في الانتقال من المختبر إلى السوق، فقد تمنح الفحم فرصة جديدة كمصدر للطاقة بكفاءة أعلى وتأثير بيئي أقل مقارنة بالنماذج التقليدية.

وهذا قد يكون ذا أهمية خاصة للدول التي تمتلك احتياطيات ضخمة من الفحم، وفي مقدمتها China، التي تُعد أكبر منتج ومستهلك للفحم عالميًا، وتسعى في الوقت نفسه إلى تحقيق توازن بين أمن الطاقة وخفض الانبعاثات الكربونية.

لكن في الوقت الحالي، يرى الخبراء أن التقنية تمثل تقدمًا علميًا مهمًا، وليس تحولًا وشيكًا في سوق الطاقة، إذ لا يزال الطريق طويلًا قبل الوصول إلى تطبيق تجاري واسع النطاق.

التقنية الصينية الجديدة لا تجعل الفحم “نظيفًا” بالكامل، لكنها تقدم مسارًا أكثر كفاءة وأفضل قابلية لاحتجاز الكربون مقارنة بالاحتراق التقليدي، وهو ما قد يفتح فصلًا جديدًا في مستقبل تقنيات الطاقة المعتمدة على الكربون إذا أثبتت جدواها اقتصاديًا وصناعيًا.

زر الذهاب إلى الأعلى